أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
196
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
--> - نعتقد بأنّ معالجة البحث التاريخي بأدوات أصول الفقه ممّا يساهم في تشويه معالمه ، إلّا أن تكون الأدوات التي يستعيرها من بحث الأصول أدوات عرفيّة تنتمي إلى عالم الاحتمالات والظنون الواقعيّة ، ففي البحث التاريخي لا يُمكننا اللجوء إلى استصحاب العدم الأزلي مثلًا لنفي وقوع حادثة . أمّا في ما نحن فيه ، فلفترض مثلًا أنّ شخصاً قال لك : لقد رأيتُ فيلًا يدخل في جحر الفأر . . فتحتمل في بداية الأمر أنّه رأى حيواناً صغيراً ، ولكنّ الأمر اشتبه عليه ، فتقول له : من الممكن أن تكون قد رأيت حيواناً آخر ، وإلّا فمن غير الممكن للفيل أن يدخل في جحر الفأر ، فيقول لك : لا إنّه فيل ، ويحلف لك على ذلك الأيمان . . ومهما حاولت إقناعه بأنّ المسألة غير متعقّلة ، يصرّ على موقفه . ففي حالات من هذا القبيل يتضاءل احتمال إصابة الخبر للواقع حول أصل وقوع الحادثة ، لا حول تفاصيلها فحسب . أمّا العثرتان اللتان نذكرهما : * عثرةُ الطريق الأولى : إن كان ما استفدناه إلى حدّ الآن منسجماً مع منطق الأشياء وطبيعة الأمور ، فإنّه قد يواجه إشكالًا نابعاً من التقارب بين وجهات النظر الأصوليّة للعلمين المذكورين . هذا ولكنْ : 1 - إنّ دعوى المدّعي قائمة على أنّ درسهما كان فقهيّاً ، وأنّ السيّد الروحاني كان يعرج إلى المطالب الأصوليّة استطراداً . وهذا في حدّ نفسه يضعّف وجود مقتضٍ لدعوى من هذا القبيل . 2 بعد قطع النظر عن ذلك نقول : إنّ وجود هذا التقارب يحتاج أوّلًا إلى تحقيق ، ولا بدّ أيضاً أن تؤخذ تقريرات الشيخ حسن عبد الساتر بعين الاعتبار ، لأنّها أقرب التقريرات إلى النصّ الذي ألقاه السيّد الصدر . 3 - ثمّ على تقدير وجوده ، فإنّه لا يغيّر من واقع ما استفدناه شيئاً ، إذ لا مانع من رجوعه إلى المباحثة التي عقداها لا إلى درس الخارج المزعوم . إضافةً إلى اللقاءات التي كانت تحصل بينهما خلال الزيارات التي كان يقوم بها السيّد الصدر للسيّد الروحاني . وقد تساهل القومُ في إرجاع آراء السيّد الصدر إلى السيّد الروحاني وتعاملوا مع ذلك تعامل المسلّمات ، والحال أنّه لا دليل على عدم العكس ، فلا أقلّ من التكافؤ وصيرورة الأمر من قبيل الشبهة المصداقيّة . * عثرةُ الطريق الثانية : ثمّ إنّ البعض قد ادّعى أنّ هناك تقارباً حرفيّاً أو شبهَ حرفيٍّ بين التقريرين في بعض المطالب ، فتعزّزت لديه قناعاته حول تتلمذ السيّد الصدر عند السيّد الروحاني . وقد تكون هذه القناعة مبرّرة لمن لم يطّلع على حيثيّات هذا الدرس المزعوم ، وإلّا فإنّ من شأنها التشكيك في هذه القناعات لا تعزيزها ، وبالتالي التحريك نحو البحث عن مبرّر آخر لهذا التقارب . وبيان ذلك : أوّلًا : لقد حضر السيّد عبد الصاحب الحكيم - مقرّر الدرس - دروس السيّد محمّد الروحاني ابتداءً من بحث ( الاستصحاب ) من الدورة الأولى على ما ذكره لي الشيخ محمّد رضا الجعفري ( أي حدود 1378 ه ) . والتقريرات المتوفّرة لدورس السيّد الروحاني عبارة عن تقريرات الدورة الثانية مع بعض ما تجدّد له من نظر في الدورة الثالثة ( منتقى الأصول 10 : 1 - 11 ) ، بل مع مقدارٍ من الدورة الأولى كما سيظهر لك بإذن الله تعالى . وقد استمرّت الدورة الأولى من 1370 ه حتّى 1383 ه ثمّ بدأت الثانية . ومن خلال ملاحظة التواريخ الواردة بهذا الترتيب في ( منتقى الأصول : 235 : 7 ؛ 275 : 2 ؛ 446 : 7 ؛ 366 : 1 ؛ 458 : 2 ؛ 518 : 2 ؛ 472 : 3 ؛ 235 : 4 ؛ 361 : 4 ) يمكن افتراض أنّ الدورة الثانية انتهت حدود رمضان / 1395 ه . ثانياً : درّس السيّد الصدر دورتين في الأصول لم تتمّ الثانية منهما : وقد بدأت الأولى يوم الثلاثاء 12 / جمادى الثانية / 1378 ه حتّى يوم الثلاثاء 12 / ربيع الأوّل / 1391 ه . وبدأت الدورة الثانية من 20 / رجب / 1391 ه حتّى يوم 2 / رجب / 1399 ه حيث كان البحث في ( الاشتغال ) . ولهذا فإنّ تقريرات السيّد كاظم الحائري ( مباحث الأصول ) - المشتملة على مباحث ما يُعرف بالقسم الثاني - عبارة عن تقريرات الدورة الأولى ، أمّا تقريرات السيّد محمود الهاشمي ( بحوث في علم الأصول ) فهي تلفيقٌ بين الدورتين ، وكذلك تقريرات الشيخ حسن عبد الساتر ( بحوث في علم الأصول ) .